هل يحتاج الشعب الفلسطيني في غزة إلي الأدب الروسي؟
هل يحتاج الشعب الفلسطيني في غزة إلي الأدب
الروسي؟
عرض وترجمة/ ياسمين الطوخي
تأتي اليوم الذكري ال76 للنكبة الفلسطينية في خضم حرب شرسة يعيشها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. فمنذ بداية حرب غزة 7 أكتوبر 2023 المعروفة فلسطينيًا بطوفان الأقصي، والمعروفة إسرائيليًا بالسيوف الحديدية (מלחמת חרבות ברזל). ونحن نتابع عن كثب تطور الحرب ميدانيًا وإنسانيًا بشكل يومي يدمي القلوب ويسيل دمع المآقي. ورغم قسوة المشهد في غزة المستمر حتي الآن، وتطور الحرب إلي إبادة جماعية تمارسها آلة صهيونية اختبرها المصريون يومًا حتي اقتصوا منها في نصرنا المجيد 6 أكتوبر 1973. برز سؤالٌ عجيب للغاية: هل يحتاج سكان غزة إلي الأدب الروسي؟
![]() |
| النكبة الفلسطينية - GettyImages |
سؤال تطرحه المسرحية العبرية (يوليسس علي زجاجات) وهي مسرحية كتبها الكاتب المسرحي الإسرئيلي جلعاد عفرون عام 2011 أي قبل اثني عشر عامًا من طوفان الأقصي 2023، جاءت في أعقاب حرب غزة 2010 ويتحدث فيها عن الحصار المفروض علي قطاع غزة منذ عام 2006 أي ما يقارب خمسة أعوام آنذاك، والمستمر حتي الآن.
هذه المسرحية تجسد رأيًا آخر داخل المجتمع الإسرائيلي، معارضًا لسياسات حكومته آنذاك، ويتشابه مع تلك الآراء التي تعارض سياسات بيبي نتنياهو حاليًا في التعامل مع الحرب في غزة ووضع الرهائن. أما جلعاد فيري خلال المسرحية أن الحصار لن يفضي إلا إلي خطر مستتر سيداهم المجتمع الإسرائيلي فجأة، وأما الحرب الحالية فما هي إلا ترجمة حقيقية لهذه الرؤية المسرحية، ولكن علي مسرح العمليات علي الأراضي الفلسطينية.
![]() |
| جلعاد عفرون - كاتب المسرحية |
فهل ما زال الشعب الفلسطيني محتاجًا إلي الأدب
الروسي؟ أم تشربه وطوعه في مقاومته التي امتدت إلي شعوب الأرض؟
وإلي نص ترجمة الصورة الثانية من
المسرحية العبرية (يوليسس علي زجاجات):
يوليسس: حصلت لي علي الحرية أيها المحامي العظيم؟
أليس كذلك؟
المحامي: لا. وجد الأطباء أنك سليم معافي وتستطيع
قضاء العقوبة. لا يرون في موقفك عدم القدرة علي التمييز بين الجيد والسئ. يقولون أنك
ربما تكون غاضبًا، ولكنك تستطيع قضاء العقوبة.
يوليسس: أهذا كل شئ؟
المحامي: هذا كان نفس السؤال الذي سألوه. وكانت
إجابته ... هل تظن أنهم أخطأوا؟ نحن لا يجب أن نقبل تشخيصهم. أستطيع أن أحضر طبيب
من جهتنا لفحصك .. هل تظن أن تشخيصه سيكون مختلفًا؟
(صمت)
المحامي: هل تتمني أن يجدك الأطباء غير لائق؟
يوليسس: لا. أنا أتفق معهم. إنني سليم معافي.
المحامي: إن لائحة الاتهام التي قدمت ضدك تشمل
محاولة لخلق علاقة بينك وبين العدو (يقصد الفلسطينيين في غزة), وعدم احترام الحدود
الدولية، محاولة الهروب لمائة وسبعين زجاجة مياه فارغة. كما أنها أثرت سلبًا علي
سير التحقيق.
يوليسس: كيف؟
المحامي: ألقيت بالأوراق والكتب التي كان بحوزتك
إلي البحر لكي لا يضبطونك بها. هذه هي الحقيقة و لا جدال عليها.
يوليسس: دائمًا يوجد جدال.
المحامي: لكن لا جدال أنك حاولت الهروب لغزة بحرًا
عن طريق جسر من الزجاجات، أو هذا ما أدعيته
...
يوليسس: هروب جوي. وسادة من الأحلام .. (يحدجه المحامي
بنظره) عفوا.
المحامي: أنا محتاج أن تحكي لي كل ما يمكن أن يجعلني
أساعدك. هم أيضا غير مؤمنين بالسبب الذي قلته عن الأوديسة الخاصة بك. وبسبب هذا،
وكما يبدو أنهم يلقبونك "يوليسس".
يوليسس:
دعني أفهم هذا الأمر قليلاً .. يرونني يوليسس؟
المحامي: يبدو أن السبب الذي أخبرتهم به في
التحقيق يرونه هزليًا. لذلك سوف يضغطون عليك وسيجدون السبب الحقيقي.
يوليسس:
لكنني حكيت لهم .. حكيت لهم كل شئ.
المحامي: هم مقتنعون أنك كاذب.
يوليسس: لماذا؟ لم تتغير إجابتي أيها المحامي. هي
الإجابة نفسها طيلة الوقت. هربت إلي غزة من أجل تدريس الأدب هناك.
المحامي: تدريس؟ تدريس الأدب؟
يوليسس: كنت معلمًا
المحامي: أردت تدريس الأدب؟
يوليسس: نعم، تدريس الأدب الروسي.
المحامي: ولماذا الأدب الروسي بالتحديد؟ أدعاك
أحدهم لتدريسه هناك؟ هل تظن أن الغزاوية محتاجين بالتحديد إلي الأدب الروسي؟ هل
تعي أن هذا يثير الشك نحوك؟
يوليسس: لا يوجد أي شخص لا يحتاج إلي الأدب الروسي.
المحامي: أنا! أنا مثلا لا أحتاج إلي الأدب الروسي.
يوليسس: أنت محتاج له. قد أصف لك تأثير كتابين للأدب
الروسي إذا قرأتهما أسبوعيًا.
المحامي: ولماذا الأدب الروسي تحديدا؟ ربما يفضل
شعب غزة الأدب الفرنسي؟
يوليسس: لا لا .. الأدب الروسي.. الأدب الفرنسي
راقص. هم يحتاجون فضاء لا يوجد في الأدب الفرنسي. بالنسبة لك ربما يناسبك فيكتور
هوجو، وموبسن .. لكن بالنسبة لهم، يناسبهم الأدب الروسي.
المحامي: جيد. أنا لست خبيرًا... ربما يناسبهم الأدب
الامريكي؟ أيضا يوجد هناك ربما فضاءات منوعة...
يوليسس: لا .. الامريكان دائما مشغولون بأنفسهم.
إنه الأدب الروسي. صدقني. الغزاوية يريدون تعلمه بشدة. هذه الروح التي تحلق أعلي
من طائراتهم الورقية علي الشاطئ.
المحامي: (يتحدث إلي نفسه مغمغمًا) أدب روسي!
يوليسس: أنا أحبك وأثق بك أيها المحامي. لكنك، لا تثق
بي.
المحامي: أنا المحامي الخاص بك.
يوليسس: كيف يمكن أن تدافع عني دون أن تثق بي؟ قبل
عام حاولت أن أرسل إليهم كتب. جمعتُ الكثير من الكتب، ترجمات من الروسية
والانجليزية، وكذلك كتاب ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، وأيضا محمود درويش. تعرفه
بالطبع!
ولكن لم يسمحوا لي بالدخول عند المعبر. قالوا لي
"ارجع للبيت". "المعبر مغلق". "ممنوع إدخال كتب إلي قطاع
غزة". "هم أيضا لا يحتاجون الكتب". سألتهم: لماذا لا يحتاجونها؟
أجابني الضابط عند المعبر بجدية: "حتي لا يتشربوا
أفكارها". سألته: أي أفكار؟
فقال: "الأفكار التي تستطيع جعل حياتهم أفضل.
عد إلي بيتك". سألته إن كان يجد لحياته معني؟ ولكنه أخرج سلاحه ووجهه إلي!
المحامي: (مؤكدًا) هذا ليس سؤال جيد تسأله لجندي
عند المعبر.
يوليسس: هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب أن نسأله
يا حضرة المحامي. أنا أطلب منك أن تثق بي.
(يتجه يوليسس للخروج ولكنه يتوقف)
يوليسس: هناك رائحة نقانق عسل وشاي. أليس كذلك؟ إنني
أشمها. رائحة الاستراحة في البوفيه. لو تركتني أشم رائحة نعل حذائك لأخبرك أين كنت
ومن كنت تزوره؟ .. دعني أخمن؟ عشب جاف قرب نهاية الصيف. هل مازال الجو حارًا ونحن
منتصف الصيف؟ حسبتُ أن الخريف جاء. حيث أوراق كثيرة تطير مع الرياح.
(نهاية الصورة)




تعليقات
إرسال تعليق